الشيخ الطوسي

مقدمة 15

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

لكن وقعت الانتكاسة الخطيرة في منتصف القرن الرابع وذلك حينما استولى محمود الغزنوي على خراسان وما وراء النهر وبسط نفوذه على جميع المنطقة ، ولم يقنع بهذا المقدار بل أراد دعم موقفه أمام الخصوم فرفع شعار المناصرة من أهل السُّنة ، فاشتد الأمر على الجميع عدا من كان معتقداً بمذاهب الدولة ، وهكذا مرت فترة قاسية على الذين كانوا يدرسون العلوم العقلية ومن كان لا يدين بمذاهب أهل السُّنة وخاصة الشيعة ، وقد بالغ السلطان محمود الغزنوي في قتلهم ( ونفى خلقاً كثيراً من المعتزلة ، والرافضة ، والإِسماعيلية ، والجَهْميّة ، والمُشَّبهة ، وأمر بلعنهم على المنابر ) ( 1 ) . وانتهز فقهاء أهل السُّنة - كعادتهم في موالاة سلاطين الجور - الفرصة فأفتوا بالقتل والحرق والنفي للفلاسفة والمتكلمين والعقلانيين والشيعة والمعتزلة ، وحتى المساجد لم تسلم من اضطهادهم ، روى الحافظ عبد الغافر الفارسي في ( ذيل تاريخ نيسابور - المنتخب من السياق : 13 ) في ترجمة أبي بكر الواعظ أنه كان : « زعيم أصحاب أبي عبد الله ورئيسهم ، صاحب القول في وقته عند السلطان ، بسيط الجاه ، كان مقرباً عند الأمير يمين الدولة محمود ، دعا إلى السُّنة وهدم المسجد الجديد الَّذي بناه الروافض » ( 2 ) ، وفي عام 420 ه قام .

--> ( 1 ) شذرات الذهب : 195 ، الغدير في الكتاب والسنة 4 : 276 . ( 2 ) ( 2 ) ومن مهازل الدهر أن يعدّ هذا الوحش الكاسر الَّذي ارتكب مثل هذه الجرائم - بل أضعاف ذلك وأخفاها المؤرخون - فقيهاً - محدثاً - فاضلاً - عالماً - كما يصفه أهل السُّنة - يقول الحافظ عبد الغافر في ( تاريخ نيسابور - المنتخب من السياق : 680 ) : « محمود بن سبكتكين الأمير شمس الدولة وأمين الملة ، والي خراسان أربعين سنة ، رجلٌ عليّ الجدّ ، ميمون الاسم ، مبارك الدولة والنوبة على الرعية ، صادق النيّة في إعلاء كلمة الله ، المظفر في الغزوات والفتوح ، . . . وحفظت حركاته وسكناته وأيامه وأحواله لحظة لحظة وكانت مستغرقة في الخيرات ومصالح الرعية . . . - قدم نيسابور قَدَمات . ظهرت بيمين دولته آثار حسنة ورسوم مرضية ، وكان مجلسه مورد العلماء ومقصد الأئمة القضاة . . . ولست أشك أنه قد توسل المتوسلون إلى مجلسه وتقربوا إليه بالحديث وسمعوا الروايات » .